سميح عاطف الزين

30

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ولكن هذا الإنسان ، لم يدرك هذا الحسن فيه ، ولا حمد اللّه ربّه عليه ، ولا عمل بما تستأهله هذه النّعمة لديه ، فأتاه العتاب والإنذار من ربه الكريم على هذا الضلال بقوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ( 6 ) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ( 7 ) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ « 1 » . فالإنسان بعد أن خلقه اللّه تعالى سويّا ، عدلا ، لم يدرك قيمة الشاكلة الجميلة التي خلق عليها ، فاغترّ بنفسه وخدع بها ، ثم اغترّ بربّه وتجرأ عليه . وقد جاء هذا الاغترار من نفسه حكما ، لأن نفسه لم تكن متكاملة ، ولأنها مريضة غير صحيحة . أنعم اللّه - عز وجل - عليها بالوجود وغمرها بالنّعم ، فانصرفت عنه إلى إنكاره واتّباع غواية الشيطان ! وذلك أن للنفس أمراضها وعاهاتها ، كما أن للجسد أمراضه وعاهاته ، مع الفارق المهمّ ، وهو أن أمراض النفس أشدّ إيلاما وأصعب معالجة من أمراض الجسد . فالوصفات التي يعطيها الأطباء ، والعمليات الجراحية التي يقومون بها ، من شأنها معالجة الأجساد وشفاؤها إذا صدق تشخيص المرض ، وصحّت معرفته ، وبالشروط التي تجعل التشخيص أو الجراحة صحيحين . في حين أن الوصفات لمعالجة النفس قلّما تكون نافعة ، إلا إذا تعرّفنا منذ البداية على هذه النفس ، وكان لديها القابليّة والاستعداد للشّفاء . لأنه لا شيء أكثر تعقيدا أو أشدّ غموضا من نفس الإنسان ، إذ هي في حال صحّتها ومرضها تتأثّر بمختلف العوامل التي تكمن فيها أو تحيط بها ، ولا شيء يخرج من ذاتية الإنسان ، أو يدخل

--> ( 1 ) سورة الانفطار ، الآية : 5 - 9 .